القاضي عبد الجبار الهمذاني
93
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في ذكر من يجوز عليه اللطف ومن لا يجوز ذلك عليه اعلم أن اللطف عبارة عن حادث مخصوص يقتضي في المكلف اختيار إحداث أمر آخر مخصوص ، من غير أن يكون الأوّل تمكينا من الثاني أو وجها لحسنه أو الوجه « 1 » الّذي يوجد عليه . وقد علمنا أن الواجب فيه أيضا أن يكون كالطريق إلى استجلاب المنفعة ودفع المضرّة . فإذا ثبتت هذه الجملة فالواجب جوازه على كل حي تجوز عليه المنافع والمضار وتختلف دواعيه . فأما القديم سبحانه فذلك « 2 » يستحيل فيه ؛ لأن ما يختاره من الأفعال / يختاره لما هو عليه لا لحدوث حركة ، وكذلك فيما لا يختاره من القبائح إنما لا يختاره لما هو عليه لا لحدوث حادث . فقد صارت الحوادث غير مؤثرة فيما يفعله تعالى أو لا يفعله ، فيجب أن لا يجوز عليه اللطف تعالى عن ذلك . فإن قال : أفليس المعلوم من حاله أنه يختار الفعل إذا كان فيه منفعة لحىّ ، ولولا ذلك كان لا يختاره ، فيجب أن يكون خلقه لذلك الحىّ لطفا فيما ذكرناه ؟ قيل له : إن خلق الحىّ معه يحسن « 3 » ما يختاره ؛ لا أنه يختار لأجله . وما هذا حاله لا يكون لطفا ؛ فلذلك لا تفترق الحال بين أن يفعله في حال خلق الحىّ أو بعده في الوجه الّذي بيناه . فإن قال : أفليس إنما يختار التمكين ليقدّم التكليف ، ولولاه كان لا يختاره ؟ وكذلك الألطاف ؟ فهلا دل ذلك على جواز اللطف عليه ؟
--> ( 1 ) في الأصل : للوجه . ( 2 ) في الأصل : « فلذلك » . ( 3 ) الأفضل « يحسن معه » .